الحياة الثانية second life

ما أن ظهرت طفرة الكمبيوتر حتى شعرنا بأننا على مشارف عالم جديد، عالم مليء بالمفاجآت حتى شهدنا الطفرة الكبيرة بظهور عالم الانترنت وأيقنا أننا مقبلين على مفاجآت تقنية قد تغير من واقع حياتنا. فالانترنت وما رافقها من امكانيات هائلة لتبادل المعلومات بسرعة فائقة مجتازة بذلك البعد الجغرافي، جعلت العالم أشبه ما يكون بقرية صغيره يمكن التواصل فيها بكل أريحية. وهو ما أفرز الكثير من التطبيقات للتواصل الكترونيا وكان آخرها أنماط جديدة من الحياة الافتراضية.

فمن خلال ما يشبه اللعبة الالكترونية (game) التي تقوم بنسخها الى جهازك، يمكنك الغوص داخل حياة افتراضية وممارسة كل أشكال السلوك الانساني. ويعد موقع السكند لايف أي الحياة الثانية (www.secondLife.com) أشهر وأكبر هذه التطبيقات من الحياة الافتراضية التي تقدمه مجموعه من المواقع على شبكة الانترنت.


الحياة الثانية هي حياة ذات ثلاثة أبعاد افتراضية بناها ويديرها سكانها. أنشأته شركة ليندن لابز بمدينة فرانسيسكو التي أسسها فيليب روزديل في العام 1999 لايجاد شكل جديد من أشكال تبادل الخبرات أو تكوين الخبرة المشتركة. وبالرغم من كون هذه الحياة خيالية مائة بالمائة ولا يعيشها الشخص الا من خلال شاشة الكمبيوتر الا انها توفر كل أسباب المتعة والفسحة للهروب من عالم الواقع.

وهذا ما جعل تعداد سكان الحياة الثانية يتعدى تسعة ملايين وثلاث مائة ألف فرد ينتمون الى أكثر من مائة دولة في عالم الواقع وهم الذين وضعوا البنية الاساسية لذلك العالم الافتراضي. حيث يقومون ببناء المنازل وتكوين الأحياء والمناطق وممارسة أعمالهم الافتراضية، ويبلغ إجمالي إنفاق سكان الحياة الثانية نحو مليون ومائة ألف دولار في اليوم كمعدل وسطي، ويتضاعف الاستخدام بمعدلات كبيرة كل شهر. ويستطيع سكان الحياة الثانية شراء وبيع السلع والخدمات باستخدام عملة خاصة أطلق عليها (دولارات ليندن)، ويتيح السوق الافتراضي للمستخدمين تحويل العملة إلى دولارات أمريكية حقيقية، مما يمكن المستخدمين من كسب أموال حقيقية من أنشطتهم الافتراضية. كما توجد هنالك بورصة للأوراق المالية الافتراضية أطلق عليها اسم (لينديكس) يتم فيها المتاجرة بالدولارات الأمريكية واللنيدنية.

ويقول المراقبون أن سياسات مختبر ليندن تتفق في خطوطها العريضة مع المبادئ الاقتصادية الحديثة فيما يتعلق بمسألة التضخم، ويحاول المختبر تشكيل سياسة نقدية وتطبيق كافة النظريات الحديثة المتعلقة بالاقتصاد الكلي والجزئي، وإحداث توازن مالي واقتصادي. ويمتاز الاقتصاد في “الحياة الثانية” بذات التنافسية وآلية العرض والطلب تماما كما يحدث في أي اقتصاد حقيقي، بل إنه يتم توزيع عوائد السندات والأسهم بشكل أسبوعي على حاملي الأسهم. وحتى لآن يمتاز النمو في اقتصاد (الحياة الثانية) بالحيوية.

كل ذلك شجع كبرى الشركات من الدخول الى هذا العالم الجديد، حيث أسست وكالة رويترز للانباء وغيرها من الوكالات مكاتب افتراضية. وعدد من الشركات العالمية قامت ببناء هويتها للتواصل مع عملائها وجمهورها لتسويق منتاجاتها وإقامة المؤتمرات الخاصة بها كشركة تويوتا وسوني وصن ميكروسيستمز وتقوم شركة “أديداس” و”أميريكان أباريل” ببيع الملابس والإكسسورات لللاعبين لكسوة أيقونات شخصياتهم الافتراضية، كما قامت سلسلة فنادق “ستاروود” بإنشاء سلسلة فنادقها الجديدة “شاهق” في مشروع “الحياة الثانية” والتي تعتزم افتتاحها في العالم الحقيقي في عام 2008. كما أقامت أكثر من 70 جامعة فروعا لها في الحياة الثانية. ويستعد المركز الثقافي البريطاني لافتتاح ثلاث جزر لتعليم اللغة الانجليزية فيها.

ويبدو ان “الحياة الثانية” تحظى بالاعتراف الدبلوماسي من قبل بعض الدول. ففي 22 مايو اصبحت المالديف أول دولة تفتح سفارة في “سكند لايف” ثم تبعتها السويد. وقد انتشرت بها المنابر السياسية وكانت الانتخابات الفرنسية الأخيرة خير شاهد حيث احتدم الجدل بين أنصار نيكولا ساركوزي وسيجولين رويال في هذا العالم .. كما افتتحت هيلاري كلينتون التي تسعى للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية مركزا انتخابيا لها في الحياة الثانية. وتتوقع سنيدر أنه قريبًا جدًا سيتم استخدام هذا البرنامج في حضور اجتماعات ظاهرية بدلاً من السفر من مكتب لآخر.

لم تخل الحياة الثانية من مختلف أشكال الجريمة. فمنذ مدة اعتقلت الشرطة اليابانية رجلا كان يبيع مسروقات افتراضية مقابل أموال حقيقية. كما فتحت الشرطة البلجيكية مؤخرا تحقيقا في جريمة اغتصاب افتراضية وقعت في الحياة الثانية. وكما هو الحال في الحياة “الأولى” يوجد أيضا من يتعاطى المخدرات ومن يعاكس البنات في الحياة الثانية. كما وقعت عدة هجمات في الحياة الثانية باستخدام قنابل نووية افتراضية وأعلنت مجموعة تطلق على نفسها “جيش تحرير الحياة الثانية ” مسؤوليتها عن تلك الهجمات وقالت إن هدفها هو الإطاحة بالحكومة الفاشية للشركة التي تدير الموقع وإقامة نظام ديمقراطي في الحياة الثانية. ومن جهة أخرى تمكن أحد محترفي اختراق المواقع من خطف برنامج شركة براون للملابس واستخدامه في استنساخ الصور المعروضة لملابسها في «الحياة الثانية»، وشرع في بيعها على طريقة بائعي الأرصفة. كما لم تخلو الحياة الثانية من الفيروسات المصممة بلغة برمجة (Linden Scripting Language) أو (LSL) والتي تُستخدم على نطاق واسع في هذا العالم الافتراضي.

ونقلت صنداي تليجراف عن كيفن زوكاتو رئيس مركز مكافحة الجريمة التكنولوجية في أستراليا القول إن الجهاديين يستخدمون الواقع الافتراضي لتطوير مهاراتهم في الاستطلاع والمراقبة.  وتابع قائلا “إننا بحاجة إلى العمل من أجل حماية عالمين، وواقعين”.  وقالت الصحيفة إن يوروبول ، الوكالة الأمنية الأوروبية، تشارك زوكاتو مخاوفه هذه حيث ترى أن موقع الحياة الثانية يوفر إمكانية تحويل الأموال عبر الحدود دون مراقب.

ويقول كريغ لاستوكا، بروفسور في كلية القانون في جامعة “رتغرز” في نيوجيرسي الأمريكية، “يهتم الناس بملكيتهم وتكامل شخصيتهم. ولكن في العالم الافتراضي، هذه المصالح ليست ملموسة إذ أنها تقوم على معلومات غير ملموسة وعلى برامج إلكترونية”. وأضاف أن بعض النشاطات الافتراضية تنتهك القانون، مثل الاتجار في بطاقات الائتمان المسروقة، موضحا أن بعضها الآخر، مثل السرقة الافتراضية وجرائم الجنس يصعب تحديدها، وإن كان من الممكن ان تتسبب في مشاكل وقلق حقيقي بالنسبة للمستخدمين.

وبعيدا عن الامراض السلوكية التي ينقلها شعوب عالمنا للحياة الثانية، تبقى الحياة الثانية بيئة تعليمية بامتياز يستخدمها  الكثير من المعلمين لمحاكاة ظواهر طبيعية قد لا يمكن واقعيا محاكاتها بسهولة خصوصا العمليات الطبية نظراً لأنها تحتاج الكثير من الوقت والجهد والمال لإعدادها. وبالطبع لنتمكن من تطويع هذه التقنية لابد من الألمام بالبيئة البرمجية المصاحبة لهذا العالم.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: